مقتطفات من المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 04 رمضان 1446هـ 4 مارس 2025م
مقتطفات من المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 04 رمضان 1446هـ 4 مارس 2025م
– المجتمع البشري لم يُترك منذ بدايته بدون هدى من الله، بل كان آدم عليه السلام نبيًا من أنبياء الله، مُرسلًا بالهداية والوحي.
– الذي هو طارئ على حياة المجتمع البشري، وشاذ في مسيرته، هو الانحراف عن نهج الله ورسالته، وليس العكس.
– الكثير من الدراسات الغربية تصور أن المجتمع البشري بدأ بجهل تام بالله، وأن الشرك كان الأصل، بينما الحقيقة أن التوحيد هو الأساس.
– كلما انتشر الضلال في المجتمعات، تبعه الفساد، والظلم، والانحراف في القيم والأخلاق، مما أدى إلى تدهور الحياة البشرية.
– الضلال ليس مجرد معتقدات جامدة، بل يمتد إلى حياة الناس، يسبب الطغيان، الفساد، وانحطاط المجتمع حتى عن مستواه الإنساني.
– مسألة التوحيد ليست مجرد كلمة (أشهد أن لا إله إلا الله)، بل هو مبدأ عظيم يُبنى عليه نهج الحياة بأكملها.
– التوحيد ليس مجرد نطق بالشهادة أو أداء شعائر دينية محدودة، بل هو أساس يبنى عليه الدين كله في الشرع، الأخلاق، القيم، والمعاملات.
– التوحيد يمتد ليشمل الشرع الإلهي، الأخلاق، القيم، المعاملات، ومسيرة الحياة، وليس مجرد شعائر دينية محدودة.
– الخطأ يكمن في اختزال التوحيد في الإقرار اللفظي أو الشعائر فقط، بينما يجب أن يكون نهجًا للحياة بأكملها.
– عندما يعترف الإنسان بالتوحيد نظريًا لكنه يعبد غير الله في الواقع، يكون ذلك انحرافًا عن المبدأ العظيم.
– التوحيد يعني الالتزام بنهج الله في الحياة، بطاعته المطلقة، والخضوع التام لأوامره ونواهيه، وليس مجرد نطق بالشهادة.
– الله يقول: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ}، مما يدل على أن التوحيد يثمر في الإنسان التقوى والخشية من الله.
– الإنسان بطبيعته يدرك ضعفه وافتقاره إلى الله، وإذا لم يتوجه إليه بالخضوع والعبادة، فإنه سينحرف لعبادة غيره.
– العبودية تتجلى في الطقوس العبادية مثل الصلاة، الصيام، الحج، والدعاء، وكلها تعبير عن حاجة الإنسان إلى الله.
– إذا لم يتجه الإنسان نحو الله، فإنه ينحرف بفطرته إلى عبادة غيره، كما فعل المشركون الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى.
– المشركون لم ينكروا وجود الله، لكنهم اعتقدوا بوجود شركاء معه، طلبوا منهم العزة والنصر، ويتقربون إليها بالقرابين والطقوس. مع أنهم لا يملكون شيئًا.
– عند الشدة والمخاطر، يعود الإنسان إلى فطرته، فيدعو الله وحده، مدركًا أن من اتخذهم آلهة لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا فيعود إلى الله وحده بالدعاء والتضرع
– الله يقول: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، مما يبين أن الإنسان في الأزمات يدرك حقيقة التوحيد مما يؤكد أن التوحيد متجذر في الفطرة البشرية.
– كلما ابتعد الإنسان عن قنوات الهداية، ازداد ضلاله وظلامه في معتقداته وأفكاره، حتى يصبح غارقًا في الظلام الفكري والعقائدي، حتى يصل إلى مستوى فظيع من الانحراف.
– السبب الجذري للشرك هو نسيان أن الله وحده هو الكامل المطلق، وكل ما سواه ناقص، عاجز، مخلوق، ومُدبَّر بأمره.
– المشركون تقبلوا عبادة غير الله بسبب غفلتهم عن أن الله وحده هو الخالق والرازق والمدبر، رغم أن هذا مبدأ فطري.
– نسيان مبدأ الكمال قاد المشركين إلى تأليه من هو دونهم، كالأصنام والجمادات، رغم أنها مثلهم مفتقرة إلى الله وعاجزة عن التدبير.
نبي الله إبراهيم عليه السلام:
– نشأ في مجتمع غارق في الشرك، حتى إن محيطه الأسري، بما في ذلك والده “آزر”، كان منغمِسًا في عبادة الأصنام.
فهو في غربة في ذلك المجتمع؛ ولذلك في حركته لإنقاذ ذلك المجتمع، والسعي لهدايته، بدأ من محيطه الأسري، وسعى مع أبيه “آزر” لإقناعه، لهدايته، لاستنقاذه من هذا الظلال الرهيب جداً.
– يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[الأنعام:74].
– اتخاذ الأصنام آلهة يكشف مدى التخلف العقلي، “هي التماثيل المنحوتة بأشكال معينة، سواءً من الحجارة، البعض ينحتونها من الصخور، أو من الأخشاب، أو من مواد أخرى يتم تصنيعها منها … وصل الحال ببعضهم أن كانوا يصنعونها من العجين والتمر، فيما إذا دهمتهم أزمة شديدة، وحصل لهم مجاعة، يقومون بأكلها بدلاً من عبادتها.
– لكنهم وهم يصنعونها وينتجونها هم، أو يشترونها ممن أنتجها من أمثالهم بالمال، يشتروها بالمال، يعني: هي ملكهم، ثم يعتقدونها آلهة، ويعتقدونها شريكةً لله في الألوهية، ويعتقدون أنفسهم عبيداً لها.
– لاحظوا أين يمكن أن يصل الظلال بالإنسان، في أكبر قضية يفترض أن تكون بالفطرة واضحةً تماماً للإنسان، لا تحتاج إلى نقاش، لا تحتاج إلى جدل.
– بالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي، لا تزال بعض المجتمعات تعيش في نفس الانحراف الفكري، معتقدين بقدسية الأصنام المصنوعة بأيديهم.
– نلاحظ في هذا السؤال، الذي هو سؤال توبيخ واستنكار: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً}، مستوى الانحطاط والتخلف الفكري والثقافي، لدى المجتمعات والشعوب التي وصلت إلى هذه الحالة.
– يصنعون الأصنام، يشترونها بأموالهم، ثم يعتقدون أنها آلهة قادرة على النفع والضر، بل وحتى يستبدلونها أو يرممونها عند الضرورة، مما يكشف مدى السخافة في هذه العقيدة، وتصل الحالة إلى مستويات في غاية السخافة، في غاية السخافة.
في الواقع العربي في الجاهلية، في حالة السفر، عندما يكونون مسافرين، وابتعدوا في أسفارهم عن أصنامهم التي هي في بلدانهم، فهم بحاجة إلى إله سفري … يبحثون عن أي صخرة تختلف عن بقية الصخور، صخرة ملساء مثلاً، أو لها شكل ملفت، ثم يقومون بالطواف عليها، والعبادة لها، والتقرب إليها
– هذا التوبيخ الذي وجَّهه نبي الله إبراهيم، والاستنكار في خطابه لأبيه “آزر”: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً}؛ لأن المسألة في بطلانها في منتهى الوضوح، باطل واضح يعني، كيف تنحت صخرةً، أو خشبةً، أو عوداً، أو أي شيءٍ آخر، أو تصنع أنت، أنت تصنع من مواد معينة ما تعتقده إلهاً لك، وتعتقد نفسك عبداً له، ثم تطلب منه كل شيء
– هذه الحالة الغريبة جداً ما الذي وراءها؟ … يعني الآن في هذا العصر، في عصرنا وزمننا، العصر الذي هو ربما من أزهى عصور الدنيا، هناك نسبة كبيرة من البشر لا يزالون مشركين، المعابد في كل مكان، وهناك أشكال أخرى سنتحدث عنها أيضاً من حالة الشرك
– الحالة التي تصل بالبعض من الناس، على مستوى أمم والشعوب، إلى هذا المستوى من الانحطاط والتخلف الفكري هي ماذا؟ هي الضلال والمضلون، والابتعاد عن الهدى والهداة
– الضلال هو الذي يصل بالناس إلى أن يتقبلوا أي باطل، مهما كان سخيفاً وسيئاً، ومهما كان فظيعاً، فظيعاً جداً، يعني: فيه تَنَكُّر لحق عظيم، لحق مهم، لمبادئ عظيمة ومقدسة.
– لأن هذا الضلال الذي يصل بالناس إلى الشرك بالله، هو مع سخافته، ومع وضوح بطلانه، هو تنكر لأعظم مبدأ، وهو مبدأ: أن الله وحده الذي هو ربُّ العالمين، وخالق السماوات والأراض، والمالك كل شيء، هو الإله الحق الذي لا إله إلا هو، يجب أن نتوجه بالعبادة إليه وحده
حالة الضلال هي التي تهيئ الإنسان لتقبّل الباطل، لتقبّل السخافات، لتقبّل أي شيء مهما كان سيئًا جدًا؛ ولهذا يأتي في القرآن الكريم التحذير الواسع من الضلال والمضلين
– المضلون، الذين ينحرفون بالناس، ويجعلونهم يتقبلون أفكاراً خاطئة، تصورات خاطئة، مفاهيم خاطئة وسخيفة، وتتحول إلى دين يتدينون به.
– الصنم الحجري، ليس هو الذي بنفسه، مثلاً بشكله قام ينطق ويتحدث، ويقنع الناس أنه إله؛ المضل الآخر، هناك إنسان مضل، هو الذي وصل بهم إلى أن يعتقدوا أن تلك القطعة من الحجر … أنها هي الإله، وأنهم عبيدٌ لها.
– المُضِل، المُضِلون خطيرون جداً على الناس، والفئة المضلة هي فئة محدودة من الناس، لكنها تخدع الكثير، ينخدع لها الكثير من الناس
– مُضل قد يضل أُمَّةً بأسرها، مُضِل واحد، فالمسألة خطيرة جداً.
في مجتمع نبي الله إبراهيم عليه السلام، كان هناك سلطة ظالمة، على رأسها طاغٍ متكبر، وصل به الطغيان إلى أن يدَّعي لنفسه الربوبية
– ثم هناك أيضاً معه فئة نافذة في المجتمع، أصبح لها تأثير في المجتمع، وأصبح المجتمع مرتبطاً بها، وبناء على هذه الروابط تريد أن تحافظ على ذلك الوضع؛ لأنها تستغله هو في التأثير على البقية.
– هناك فئة مستفيدة على المستوى المعنوي والمادي، مثل: منتجي الأصنام، الذين يصنعونها، ويبيعونها بأثمان غالية، سعر الإله حقهم سعر غالي، وإذا كان بشكل معيَّن يرفعون السعر
– كهنة المعابد الذين هم من يستفيد مما يقدَّم من نذورات، وقرابين، ومأكولات، لتلك التي يسمونها بالآلهة.
تلك الفئة لأنها مستفيدة؛ تُصِرّ على ترسيخ ذلك، ثم في واقع الناس يرسخون هالة من الأساطير المعينة عنها، [أنها فعلاً فلان قدَّم لها قرابين وشفي مريضه، وفلان قدَّم قرابين وعاد قريبه الذي كان مسافراً بسلام، وفلان كذا…]، أساطير تحاكي حولها
– ومن هذه الأساطير، وتعُمّ الحالة، ثم تستمر- أحياناً- لأجيال، حتى تتحول من المسلمات الراسخة.
– وتحاط هذه الأساطير بحساسية شديدة، تجاه مسألة الانتقاد لها، أو التشكيك بها، أو طرح تساؤل عنها، يتحول هذا إلى أمر خطير جداً، ومحظور للغاية، بحيث قد يتعرض الإنسان للاستهداف بشكلٍ مباشر.”
– وهكذا تتحول الحالة العامة إلى حالة يحكمها ذلك الظلال، وذلك الباطل
ولهذا يقول نبي الله إبراهيم: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[العنكبوت:25]، هذه العلاقات، والروابط، والنفوذ، والصداقات التي تُجَذِّر مثل ذلك الباطل، وتحمي ذلك الباطل، وتقدمه محمياً.
ثم من أخطر أنواع الظلال: ما يُقدَّم ديناً … ولكن عندما يكون هناك- مثلاً- ما هو باسم معتقدات دينية، ما هو باسم دين، وهو من الضلال، ليس من دين الله الحق، فالمسألة خطيرة جداً، أكثر خطورة.
– لأن الناس في مسألة التدين والالتزام الديني، ولاسيَّما البعض منهم … إن تدين بالباطل، كان شديداً؛ وإن تدين بالحق، كان قوي الالتزام ومتمسكاً.
– ما يتحول إلى معتقدات دينية، وهو من الضلال، يصبح الكثير من الذين يؤمنون به، يعتنقونه، يتقبلونه، يقتنعون به، أكثر التزاماً وتمسكاً، وأشد تشبثاً به، ويصعب إقناعهم عن تركه، ويتعصبون له بشدة.
– وهذا ما حصل في معتقدات المشركين، كانوا يتعصبون جداً لأصنامهم، إلى درجة أن يقاتلوا من أجلها، وأن يعادوا من يعترض على عبادتهم لها، أو ينتقد ذلك.
– كانوا يخلصون إخلاصاً كبيراً فيما يقدمونه لها، يعني: إلى درجة أن البعض منهم من شدة الإخلاص، كان يُقدِّم ابنه وفلذة كبدة قرباناً لها، ويذبح ابنه عند الصنم.
– حتى العرب في جاهليتهم، مع اهتمامهم بمسألة الأبناء الذكور … قد يكون له ابن عزيزٌ عليه جداً، من شدة معزة ابنه عليه، يرى أنه أحسن قربان يقدِّمه لتلك الخشبة التي يعتقدها إلهاً
– لهذا قال الله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الأنعام:140].
– {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}[الأنعام:137].
– يحكي لنا القرآن الكريم عن مدى تشبثهم، عصبيتهم، في قوله تعالى: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}[ص:6].
– يصل بهم الحال إلى أنه يغضب لصنمه أكثر مما تغضب أنت كمسلم من أجل الله، من أجل دينك، من أجل مقدساتك، إذا لم يكن انتماؤك الإيماني قوياً، هذا هو بسبب الضلال
– ولهذا قال إبراهيم “عليه السلام”: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}