مطالبات خليجية بـ«نورماندي» يمني: واشنطن تتسلّح… بالاستعراض

يُجمع الخبراء الاستراتيجيون والمسؤولون العسكريون في المنطقة والغرب، على أن الضربات الجوية الأميركية على اليمن لن تحسم المعركة، ولن تقوّض قدرة صنعاء على الاستمرار في استهداف السفن المعادية. ويُنقل عن مسؤول أميركي زار الشرق الأوسط قوله: «في مناقشاتنا مع شركائنا الإقليميين، عرباً وإسرائيليين، سمعنا لازمة مشتركة عند الجميع هي أنه لوقف هجمات الحوثيين يجب قتل قادتهم»، إذ يعتبر هؤلاء أن قيادة «أنصار الله» أصبحت على مستوى الإقليم، وهي تتّجه صعوداً بشكل سريع، ما يوجب، للحد من هذا الصعود، قتل المستوى القيادي الأول بكامله وعلى رأسه قائد الحركة، السيد عبد الملك الحوثي.

ويأتي ذلك في وقت نفّذت فيه واشنطن استعراضاً كبيراً للقوة لترهيب «أنصار الله»، بنشر ما قالت وسائل إعلام إنها قوة كبيرة من قاذفات الشبح «بي-2 سبيريت»، وهي تتّجه إلى جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. وتُظهر صور الأقمار الصناعية ما لا يقل عن ثلاث طائرات شحن من طراز «سي-17» وعشر طائرات تزوّد بالوقود جواً، تمّ نشرها في الـ48 ساعة الماضية في هذه المنطقة البريطانية الاستراتيجية للغاية، والتي استُخدمت كنقطة انطلاق للضربات الأميركية في الشرق الأوسط في مناسبات متعدّدة في الماضي.

وفي خضمّ هذا الاستعراض، يستبق البيت الأبيض النتائج ويتصرّف وكأنّ الحرب حُسمت لصالحه، بادّعاء تدمير البنى التحتية اليمنية وتحييد قيادات البلد، والأغرب أنه بدأ توظيف هذه النتيجة المزعومة في الصراعات الداخلية الأميركية، وخصوصاً في وجه الديمقراطيين على خلفية إخفاقهم في حربهم على اليمن، إذ أصدر البيت الأبيض، أمس، بياناً عدّد فيه إنجازات الرئيس دونالد ترامب في اليمن، وقال إن الديمقراطيين وحلفاءهم الإعلاميين نسوا أن «ترامب وفريقه للأمن القومي نجحا في القضاء على إرهابيين استهدفوا القوات الأميركية وعطّلوا أحد أهم طرق الشحن في العالم»، معتبراً ذلك بمثابة «جهد منسّق لصرف الانتباه عن الإجراءات الناجحة التي اتخذها الرئيس ترامب وإدارته لجعل أعداء أميركا يدفعون الثمن والحفاظ على سلامة الأميركيين».

لكنّ الخبراء العسكريين الإسرائيليين والأميركيين، يرون أن الأقوال في هذا الإطار أمر سهل، فيما الأفعال تبدو صعبة في بلد يتمتع بتضاريس وعرة وجبال مرتفعة جُوّفت من الداخل وأصبحت تُستخدم للأنشطة العسكرية والإنتاج الحربي، خصوصاً أن «أنصار الله» تعلّمت من تجارب «حماس» و»حزب الله» سريعاً التكتيكات المستحدثة، ومكامن قوة العدو القائمة على التفوق التكنولوجي والذكاء الصناعي، وعملت على الالتفاف عليها وتجاوزها بالوسائل الوقائية اللازمة. وينشغل المخططون والمحللون بالموقع العسكري الراسخ لليمن، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي الصعب، واللذين يُقلّلان من احتمالية تحقيق حملة ترامب الجديدة نتيجة حاسمة.

ومن هنا، ولمواجهة التهديد الحوثي المتزايد بأقصى فعالية، يقول «المركز العربي في واشنطن» إنه «لا بدّ من اتّباع نهج شامل». ويقترح «تعزيز الحكومة المحلية في عدن وتوحيد فصائلها؛ فهذا أمرٌ بالغ الأهمية لتوفير بديل عملي للسيطرة الحوثية الحصرية». كما يشدّد على أنه «من خلال ترسيخ السلطة السياسية ومعالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع، يمكن لليمن أن يُشكّل جبهة موحّدةً ويُقلّل من نفوذ الحوثيين».

البيت الأبيض يستبق النتائج ويتصرّف وكأنّ الحرب حُسمت لصالحه

وفي الإطار نفسه، وعلى الرغم من أن الأميركيين تحدّثوا في هذه الجولة عن تحسّن في عمليات الجمع الاستخباراتي، خصوصاً الفني، إلا أنهم في الوقت نفسه اعترفوا بأنه لشنّ حملة مستدامة ضد هذه الأهداف (التحصينات والقادة)، يحتاج الجيش الأميركي إلى معلومات استخباراتية إضافية، وتعاون تحليلي وعملي من شركائه الإقليميين الرئيسيين، وهو ما قد يستغرق وقتاً ويتطلب تنازلات.

على أن ثمّة إجماعاً في كل من الغرب والخليج وإسرائيل، على وجوب تنفيذ مناورة برية لتحقيق هدف إنهاك قدرات صنعاء وتصعيب عملية نقل القوات البرية إلى جبهات القتال حتى تحين ساعة الصفر. ويقول ديفيد ليفي، المقدّم في احتياط البحرية الأميركية والباحث الكبير في مركز «بيغن – السادات» والدبلوماسي والعسكري الأميركي السابق، إن «الهجمات من غير المرجّح أن تردع الحوثيين»، ولكنها تقلّل بشكل كبير من قدرتهم على إلحاق الضرر بالسفن، وذلك من خلال القضاء على القيادة وتدمير مستودعات الذخيرة وقاذفاتها لديهم. ويحتمل ليفي أن «تكون الولايات المتحدة في طور إعداد ساحة المعركة، لإعادة فتح هجوم بري من قبل الحكومة اليمنية في عدن ضد الحوثيين».

في المقابل، تنتظر السعودية والإمارات، الداعمتان من الخلف للضربات الأميركية، بفارغ الصبر أن تنتج العملية الأميركية تحوّلاً يُحدث تغييرات جوهرية في الداخل اليمني. ورهانهما الحالي يتركّز على ما يسميه إعلامهما صناعة استقرار إقليمي في المضيق، يمر أساساً عبر تطوير الهجوم الأميركي ليتوسّع إلى ما اصطلحت إحدى وسائل الإعلام على تسميته «نورماندي مصغّراً»، على شكل عملية إنزال بحري وجوي لقوات عسكرية تابعة لحكومة عدن في الحديدة.

وينصح الإعلام الخليجي، في هذه الحالة، بوجوب توفير دعم لوجستي وعملياتي واستخباراتي للعملية، بشكل يتيح لتلك الحكومة السيطرة على أحد أهم موانئ البحر الأحمر، من دون الدخول في حرب استنزاف، «يراهن عليها الحوثيون لتحويل المدينة إلى بؤرة إنسانية لاستدرار العطف الدولي ومخاطبة الضمير الإنساني».

من جهة أخرى، وبينما تقول واشنطن إن عملياتها تهدف إلى تأمين الملاحة الدولية، يحذّر محللون من أن استمرار الأزمة قد يزيد الضغوط على الأسواق العالمية، ولا سيما في ظل الاعتماد الكبير على المورّدين الصينيين والصعوبات التي تواجهها الشركات في إيجاد بدائل مناسبة. وفي هذا الإطار، وخلافاً لادّعاءات البيت الأبيض، نُشرت آراء عدة في الغرب وإسرائيل، عن أن «التصعيد العسكري الأميركي في البحر الأحمر أدّى إلى تفاقم المخاوف بشأن تداعيات اقتصادية محتملة، حيث تسبّب التدخل الأميركي في البحر الأحمر وشن غارات جوية على اليمن باضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية»، وفق ما نشرته مجلة «إيف» البريطانية. وأعطت المجلة مثالاً، شركات السيارات الكهربائية الأوروبية التي تواجه تحديات متزايدة بسبب تأخّر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل، ما أجبر بعضها على تعليق الإنتاج مؤقتاً.

لقمان عبدالله

الخميس 27 آذار 2025

قد يعجبك ايضا