ترامب لا يأتي بجديد: «البايدنية» تتكرّر في اليمن
تواصل حاملات الطائرات الأميركية، التي لا تفتأ تبحر ذهاباً وإياباً انطلاقاً من المرسى الدائم والآمن لها في يوكوسوكا اليابانية، إلى المحيط الهندي أو منطقة الشرق الأوسط، تأدية مهمّة الاستعراض ومحاولة الردع بالتهويل والتهديد باستخدام القوة. على أن القوى المناهضة للهيمنة الأميركية، وعلى رأسها اليمن، تدرك أن هذه التحرّكات غير ذات جدوى، ولن تُحدث فارقاً على الأرض، ولا من شأنها التأثير على صاحب القرار. ويأتي ذلك فيما بدأت تُطرح في واشنطن تساؤلات حول الإستراتيجية النهائية في الشرق الأوسط عموماً واليمن خصوصاً، والتي يشكّك الكثير من الخبراء وأعضاء الكونغرس في وجودها أساساً، مقلّلين من إمكانية تمكُّن بلادهم من القضاء على كلّ التهديدات من دون قوة برية من مشاة البحرية، خصوصاً أن قرار الإدارة الحالية هو أن لا يكون ثمة وجود بري في الشرق الأوسط مرة أخرى.
وفي هذا الإطار، قلّل خبراء من تأثير وجود مجموعة حاملة الطائرات الثانية «كارل فينسون» في المنطقة، محذرين من أن ذلك يُحدث نتائج عكسية بالنسبة إلى هيمنة واشنطن في العالم، حيث يُؤثر وجود حاملتين في الشرق الأوسط سلباً على الجاهزية الأميركية في شرق آسيا، فيما «لا يبدو أن الحوثيين قلقون من تعرّضهم لهجوم من مجموعة حاملة طائرات قتالية أخرى». والواقع أن الولايات المتحدة دأبت، منذ عقود، على إرسال حاملات طائرات إلى نقاط ساخنة حول العالم، عند رغبتها في استعراض قوتها. لكن اليوم، ثمة الكثير من النقاط الساخنة والقليل من حاملات الطائرات؛ ورغم أن نشر الحاملات المسطحة بات جزءاً لا يتجزأ من التكتيكات والفنون العملياتية، فإنه في الحالة اليمنية، لا يبدو أنه مندرج ضمن إستراتيجية واضحة.
والأخطر مما تقدّم، هو ما كشفه موقع «1945» المعنيّ بالشؤون الدفاعية، من أن حركة «أنصار الله» تحاول إغراق حاملة طائرات، وأنها إذا تمكّنت من ذلك قد تشعل حرباً أكبر في المنطقة، خصوصاً إذا ما أدت الضربة إلى مقتل أو إصابة بحّارة. وأشار الموقع إلى أن «العمليات اليمنية تسبّبت في قطع الطريق، وإحداث مشكلات لمجموعة حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان في البحر الأحمر، والآن على وزارة الدفاع الأميركية التدخل لدعم جهود الحاملة ضد المتمردين».
تعدّ الصين مستفيداً أول من انتقال حاملات الطائرات من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط
وانطلاقاً من تلك المعطيات وغيرها، يرى خبراء في واشنطن أن المشهد لا يفتأ يتكرّر منذ السابع من أكتوبر 2023؛ إذ إن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي ما يزال، منذ انطلاق حملته الانتخابية حتى اليوم، يهاجم سلفه، جو بايدن، بخصوص الحرب على اليمن ونفقاتها المرتفعة (قال حينها إن كل قنبلة يتم إلقاؤها على اليمن تكلّف مليون دولار)، تُلقى على اليمن في عهده عشرات القنابل الأميركية (ومنها الارتجاجية ذات السعر الباهظ الذي يتخطى المليون دولار)، فيما تضطرّ السفن وطائرات حاملات الطائرات الهجومية إلى إطلاق النار على كل مسيّرة أو صاروخ يمني حتى لو كان بطيئاً وقادماً من مسافة 1000 كيلومتر، وتشتبك الطواقم البحرية أحياناً لمدة ثلاث ساعات مع كل حزمة يمنية مكوّنة من بضع عشرات من الصواريخ والمسيّرات.
ووفقاً لخبراء مطلعين على وضع البحرية الأميركية، فإن الأخيرة استنفدت بالفعل سعة مخزن ذخيرة حاملة طائرات خلال الأسبوعين الماضيين، علماً أنها لا تستطيع تجديد أنظمة الإطلاق العمودي في البحر.
وعليه، بدأت ترتفع في الولايات المتحدة الأصوات ضد تكتيكات ترامب في اليمن، والتي تتناقض مع رغبته المعلنة في كبح جماح العمل العسكري في الشرق الأوسط، وتخاطر بإشعال حرب إقليمية أوسع نطاقاً، بينما يبدو أن الرئيس فشل في قراءة الحسابات الإستراتيجية الخاصة بحركة «أنصار الله»، والمرتبطة بالحرب على غزة. وكان قد تعهّد ترامب، في خطاب تنصيبه، بصنع السلام في الشرق الأوسط، في حين أن مساره الحالي يهدّد بعرقلة أي مسعى جدير بالاهتمام في هذا الإطار، خاصة إذا ما تدحرج التوتر مع إيران إلى حافة الحرب.
ولم تَعد تلك الأصوات المعارضة تقتصر على المعلقين والخبراء، بل انتقلت إلى داخل الكونغرس، الذي بعث اثنان من أعضائه برسالة إلى البيت الأبيض أثارا فيها عدداً من التساؤلات حول الضربات الجوية على اليمن، وطالبا بتوضيح ما إذا كانت الإدارة تريد من ورائها التمهيد لضرب إيران، محذرَين من أن الولايات المتحدة «ستتعثّر في حرب أخرى مكلفة وغير ضرورية».
وفي السياق نفسه، طالب خبراء عسكريون بأن تبقى العين على الصين؛ إذ يتعيّن على الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أن تخطّط أيضاً لهجوم محتمل من صواريخ صينية قادرة على تدمير حاملات الطائرات. ووصفوا الوضع الحالي للقوات الأميركية في الشرق الأوسط بأنه مثالي للصين التي ترغب في أن يستدعي «الحوثيون» مجموعة أخرى من القوات البحرية لنشرها في الشرق الأوسط.
واعتبر الخبراء أن الصين نجحت عملياً في إخراج «كارل فينسون» من شرق آسيا، من دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة. ومع وجود حاملات طائرات أميركية أقلّ في تلك المنطقة، أصبحت بكين بقيادة شي جين بينغ أكثر استعداداً لعملية ضد تايوان، خصوصاً أن الأولى تمتلك ثلاث حاملات طائرات في الخدمة، ويمكن لسفنها الحربية التابعة لهذه القوة الضاربة محاصرة الجزيرة تماماً.
الأخبار : لقمان عبد الله السبت 5 نيسان 2025