انهيارٌ تاريخي في وول ستريت.. خسائرُ تريليونية تهدّدُ الهيمنةَ الأمريكية
تشهدُ الولاياتُ المتحدة واحدةً من أخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث، حَيثُ تواصل البورصاتُ الأمريكية نزيفَها المُستمرَّ منذ تنصيبِ الرئيس ترامب لولايته الثانية.
فقد خسرت وول ستريت ما يقاربُ 9.6 تريليون دولار من قيمتها السوقية، وفقَ أحدث البيانات الصادرة عن مؤسّسات الرصد المالي العالمية.
هذا الانهيار الكبير لم يأتِ تدريجيًّا، بل شهدت السوقُ الأمريكية أكبر خسارة في تاريخها عندما فقدت 5 تريليونات دولار خلالَ يومَينِ فقط، وهي حصيلةٌ ماليةٌ تكفي لإنعاش اقتصاداتِ عشرات الدول النامية.
وتكشفُ الأرقامُ الصادمةُ عن عمق الكارثة التي تضرِبُ قلبَ الاقتصاد الأمريكي؛ فمؤشِّرُ داو جونز الصناعي، ذلك المؤشر الذي ظل لسنوات رمزًا للقوة الاقتصادية الأمريكية، فقد أكثرَ من 3000 نقطة في سلسلة من الجلسات المتتالية.
أمَّا مؤشِّرُ S&P 500، الذي يضُمُّ أكبرَ الشركات الأمريكية؛ فقد تراجع بنسبة 3.6 % في جلسة واحدة، مقتربًا من دخول ما يُعرَفُ بمنطقة السوق الهابطة. ولم يكن مؤشِّرُ ناسداك بمنأىً عن هذه العاصفةِ المالية، حَيثُ انخفض بنسبة 3.8 %، فيما كان مؤشر راسل 2000 أولَ المؤشرات الرئيسية التي دخلت رسميًّا مرحلةَ الركود الهابط.
وتعودُ جذورُ هذه الأزمة إلى سياسات اقتصادية مثيرةٍ للجدل اتَّبعتها إدارةُ ترامب منذ ولايته الأولى. فالحربُ التجارية التي أشعلتها واشنطن ضد الصين والاتّحاد الأُورُوبي، والتي تمثلت في فرض رسومٍ جمركية عشوائية، أَدَّت إلى ارتفاعِ تكاليف الإنتاج وتراجع أرباح الشركات الكبرى. كما أن التصريحاتِ المثيرةَ للجدل للرئيس الأمريكي حول انسحاب بلاده من تحالُفات دولية أثَّرت سلبًا على ثقةِ المستثمرين العالميين.
ولا يمكنُ إغفالُ دور أزمة الديون الأمريكية المتصاعدة في تفاقم الأزمة. فبينما تجاوزت ديونُ الولايات المتحدة 34 تريليون دولار، استمر الإنفاقُ العسكري في الارتفاع ليصلَ إلى أكثرَ من 800 مليار دولار سنويًّا.
هذا الوضعُ المالي المتردي دفع البنك الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متتالٍ؛ مما زاد من أعباء الشركات والأفراد على حَــدٍّ سواء.
وتنعكسُ هذه الأزمةُ بشكل واضحٍ على المستثمرين العالميين الذين بدأوا يتحولون بشكلٍ متزايدٍ نحوَ الأسواق الآسيوية والأُورُوبية. كما تلوحُ في الأفق مخاوفُ من موجة إفلاسات قد تضرِبُ الشركاتِ المتوسطةَ، مع توقُّعات بارتفاع معدلات البطالة في الأشهر المقبلة.
فيما يحاولُ البيتُ الأبيض تهدئةَ المخاوف بالحديث عن “تصحيح طبيعي للسوق”، يرى كثيرٌ من الخبراء أن هذه الأزمة قد تكونُ بدايةَ نهايةِ الهيمنة الاقتصادية الأمريكية. فالتاريخُ الاقتصادي يُثبِتُ أن الإمبراطوريات المالية لا تسقُطُ بين ليلة وضُحاها، ولكنها تتراجَعُ تدريجيًّا؛ بسَببِ سوء الإدارة والغرور.
في هذا السياق، يتساءل كثيرون: هل ستتمكّن الولاياتُ المتحدةُ من الخروج من هذه الأزمة، أم أننا نشهدُ بدايةَ تحوُّلٍ جذري في موازين القوى الاقتصادية العالمية؟ السؤال الذي يفرِضُ نفسَه بقوة هو: هل ستتعلَّمُ واشنطن من أخطائها، أم ستستمر في سياساتها التي تدفعُها نحو الهاوية؟
المسيرة نت