الحرب بالتهريج: فضيحة «سيغنال» تتوسّع

نشرت مجلة «ذي أتلانتيك»، أمس، المزيد من رسائل كبار المسؤولين في إدارة دونالد ترامب، والتي تضمّنت، هذه المرة، «تفاصيل عملياتية» عن الضربات العسكرية التي تمّ التخطيط لها ضد حركة «أنصار الله» في اليمن، بعدما كان المسؤولون الجمهوريون، خلال جلسة استماع أمام الكونغرس، قد زعموا أنهم لم يشاركوا أي «خطط حرب» في الدردشة التي ضمّت، خطأً، رئيس تحرير مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية.

والواقع أن الهجوم الأميركي الذي بدأ، في الـ15 من آذار الجاري، على اليمن، لم يشكل «مفاجأة» بالنسبة إلى غولدبرغ؛ إذ كان مستشار الأمن القومي الأميركي، مايك والتز، قد ضمّه، عن طريق الخطأ، إلى مجموعة مراسلة على تطبيق «سيغنال» المشفّر، تضم نحو 18 شخصية من «قادة الأمن القومي الأميركي»، بمن فيهم مدير الـ«سي آي إيه».

ونتج من «الخطأ» المشار إليه أن تلقّى غولدبرغ رسالة «نصية» قبل ساعتين من بدء عمليات القصف، ما جعله على دراية بها قبل أي شخص آخر، وفق ما يؤكد رئيس التحرير في تقرير نشره في المجلة، مرفقاً إياه بمجموعة من «لقطات الشاشة»، التي توثّق طريقة تخطيط إدارة دونالد ترامب الحالية، وتنسيقها لـ«الحروب»، والتي أثارت موجة من الدهشة والغضب في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في أوروبا، بعدما قطعت الرسائل «الشك باليقين» حول «نوايا» مسؤولي الإدارة تجاه القارة العجوز.

وبعد انتهاء الغارات، هنّأ أعضاء مجموعة الدردشة بعضهم بعضاً بـ«نجاح العملية»، باستخدام عدد كبير من الرموز التعبيرية («الإيموجيز»)، وفقاً لما تظهره إحدى الصور في المقال، والتي انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من محاولة ترامب التقليل من أهمية الخطأ المشار إليه، واتهام مسؤولين أميركيين لغولدبرغ، بدايةً، بالكذب وتلفيق الأخبار، إلا أنّ البيت الأبيض عاد وأكّد حدوث التسريب، فيما أبلغ مسؤول كبير في الإدارة الأميركية صحيفة «بوليتيكو»، بأنّه «بعد ظهر يوم الإثنين، كان جدال يدور بين موظفي الإدارة الآخرين حول ما يجب فعله مع والتز»، مشيراً إلى أنّ «نصفهم يقولون إنّه سينجو، والنصف الآخر يرى أنّه لن يبقى في الإدارة»، فيما طرح اثنان من مساعدي البيت الأبيض رفيعي المستوى فكرة «استقالة والتز، كي لا يضع الرئيس في صورة سيّئة». وفي حين اعتبر المصدر نفسه أنّه «كان من التهوّر عدم التحقق من الأشخاص الموجودين في المجموعة، ناهيك عن إجراء المحادثة على (سيغنال)»، مشيراً إلى أنّ «التهور» لا يمكن أن يكون من صفات مستشار الأمن القومي، فقد ذهب مصدر آخر مقرّب من البيت الأبيض إلى حدّ القول إنّ «جميع من في البيت الأبيض متفقون على أمر واحد: هو أنّ والتز أحمق وسخيف».

برزت دعوات واسعة لـ«استقالة» المسؤولين المعنيين بالتسريب، بمن فيهم وزير الدفاع

على أنّ والتز ليس المسؤول الوحيد الذي يبدو، حالياً، عرضة للمشاكل، على خلفية إرساله في الـ11 من آذار، ما هو أشبه بدعوة صداقة إلى رئيس تحرير «ذي أتلانتيك»، قبل أن يرسل إليه، بالخطأ، بعد يومين، دعوة للانضمام إلى مجموعة مراسلة باسم «Houthi PC small group». بل إنّ نائب الرئيس، جاي دي فانس، والمعروف بأنّه من «جنود ترامب الأكثر ولاءً والمدافعين عنه بشراسة»، عبّر، في رسائله على المجموعة، عن «معارضته» لخطط الرئيس، معتبراً أنّ «توقيت العملية اليمنية خاطئ»، نظراً إلى أنّ «الدول الأوروبية استفادت، على نطاق واسع، من جهود البحرية الأميركية لحماية ممرات الشحن من هجمات الحوثيين»، مشكّكاً في ما إذا كان ترامب «يفهم عواقب ذلك».

وممّا ورد في رسائل فانس: «لست متأكداً من أن الرئيس يدرك مدى عدم اتساق الهجمات الأخيرة مع رسائله حول أوروبا في الوقت الحالي». وعندما دافع المسؤولون الآخرون في المجموعة عن ضرورة شنّ الهجمات، ردّ فانس بالقول إنه «سيدعمها»، مضيفاً: «أنا فقط أكره إنقاذ أوروبا مرة أخرى»، ليردّ عليه وزير الدفاع بالقول: «أشاركك بالكامل كراهيتك لـ(الانتهازية) الأوروبية»، واصفاً الأمر بـ«المثير للشفقة».

وفي محاولة لـ«تدارك» الخطأ، أعلن المتحدّث باسم فانس، ويليام مارتن، عقب تسريب المحادثات، أنّ «فانس على اتفاق تام مع ترامب»، ويدعم «بشكل لا لبس فيه سياسات الإدارة الخارجية»، كما أنّه أجرى، في وقت لاحق، محادثات مع الرئيس في هذا الصدد. وعلى الرغم من أنّ البيت الأبيض عمد، أمس، إلى «الوقوف بجانب» نائب الرئيس، إلا أنّ «الشرخ» الذي أحدثه التسريب الأخير لم يقتصر على المسؤولين الأميركيين، بل طاول علاقات واشنطن المتوترة، بالفعل، مع حلفائها الأوروبيين.

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية بأنّ مسؤولين ودبلوماسيين بريطانيين وأوروبيين تفاعلوا مع رسائل المسؤولين الأميركيين بمزيج من «الألم والغضب»، فيما تلاشى، في بعض أنحاء أوروبا، «الأمل في أن تكون إدارة ترامب تتعاطف، سراً، مع أوروبا، على الرغم من عدائها العلني تجاهها». وطبقاً لأحد الدبلوماسيين في «الاتحاد الأوروبي»، وعلى الرغم من أنّ التاريخ «يظهر أنّ واشنطن، ستعود، يوماً ما، إلى دورها كحليف قوي لأوروبا»، إلا أنّه في الوقت الحالي، «وعلى الرغم من الكلمات الدبلوماسية اللطيفة التي تصدر في بعض الأحيان، إلا أنّ الثقة محطّمة». وشدّد الدبلوماسي على أنه «لا تحالف من دون ثقة».

كما نقلت الصحيفة نفسها عن دبلوماسي بريطاني قوله إنّ المسؤولين في بلاده «شاهدوا التسريب بذعر»، وإن ما جرى أكّد أنّ «فانس هو من يحرّك العداء الأميركي إزاء أوروبا»، ما يجبر «الآخرين، بمن فيهم ترامب، على اتخاذ موقف أكثر صرامة، كي لا يبدو أولئك في موقف أضعف من فانس». ومن جهته، اعتبر وزير الدفاع البريطاني السابق، غرانت شابس، أنّ «البعض في إدارة ترامب بحاجة إلى عملية إعادة تثقيف حول حلفاء بلادهم»، مشيراً إلى أنّه من الخطأ أن يقولوا إنّ «الجيوش الأوروبية لم تفعل شيئاً لمواجهة مشكلة الحوثيين».

هجوم «ديمقراطي»

وبطبيعة الحال، استغل الديمقراطيون، بدورهم، حادثة التسريب لمهاجمة إدارة ترامب، مطلقين دعوات واسعة إلى «استقالة» المسؤولين المعنيين بالتسريب، وعلى رأسهم وزير الدفاع، ومستشار الأمن القومي. وفي رسالة بعث بها إلى ترامب الثلاثاء، أصبح زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، أعلى ديمقراطي يطالب بتسريح وزير الدفاع، باعتبار أنّه «غير مؤهّل»، ويمثّل «خطراً على الأمن القومي». وعبّرت هيلاري كلينتون، المرشّحة الديمقراطية السابقة، والتي تعرّضت لهجمات مستمرة من الجمهوريين، بمن في ذلك من قبل بعض من كانوا في المجموعة، على خلفية استخدامها «حساباً بريدياً خاصاً لإرسال رسائل رسمية عندما كانت وزيرة للخارجية»، بدورها، عن «ذهولها» لما حصل في منشور عبر «أكس».

ولم تقتصر «الهجمة» المشار إليها على صنّاع السياسة الأميركيين وحدهم، بل شملت العديد من المحللين الذين رأوا في الحادثة «ظاهرة غير مسبوقة». ومن بين هؤلاء، ديفيد فرينش، الذي وصف في تقرير نشرته «نيويورك تايمز»، التسريب بـ«الخرق الأمني الفادح»، قائلاً: «أنا ضابط سابق في مكتب المدّعي العام العسكري، وساعدت في التحقيق في العديد من مزاعم تسريب معلومات سرية، ولم أسمع قط عن أمرٍ بهذه الفظاعة؛ وزير دفاع يستخدم تطبيق مراسلة مدنياً، عمداً، لمشاركة خطط حرب حساسة من دون أن يلاحظ حتى وجود صحافي في الدردشة». وأردف أنّ مثل تلك الأخطاء تؤدّي عادة «إلى الإعفاء من القيادة، ثمّ الإحالة إلى تحقيق شامل، وربما توجيه اتهامات جنائية، لأن القانون الفدرالي يجرّم قيام شخص بسحب معلومات متعلقة بالدفاع الوطني من مكانها، أو تسليمها لأي شخص، أو إضاعتها، أو سرقتها، أو أخذها، أو إتلافها».

ريم هاني

الخميس 27 آذار 2025

قد يعجبك ايضا